أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
152
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
متعرض لها ، فلا يجمع بين العوض والمعوض منه ، إلا إذا جمع بين التاء والياء ، لا غير ، ألا ترى إلى قولهم : « يا أبتا » مع كون الألف فيه بدلا من التاء ، كيف جاز الجمع بينها وبين التاء ولم يعد ذلك جمعا بين العوض والمعوض منه . فالكسرة أبعد من ذلك ، فإن قلت : قد دلت الكسرة في « يا غلام » على الإضافة ، لأنها قرينة الياء ولصيقتها ، فإن دلت على مثل ذلك في « يا أَبَتِ » فالتاء المعوضة لغو : وجودها كعدمها . قلت : بل حالها مع التاء كحالها مع الياء إذا قلت : يا أبي . وكذا عبارة الشيخ فإنه قال : « وهذه التاء عوض من ياء الإضافة ، فلا يجتمعان وتجامع الألف التي هي بدل من التاء . قال : 2759 - يا أبتا علّك أو عساكا « 1 » وفيه نظر من حيث إنّ الألف كالتاء لكونها بدل منها ، فينبغي أن لا يجمع بينهما ، وهذه التاء للتأنيث . قال الزمخشري : « فإن قلت : ما هذه التاء ؟ قلت : تاء التأنيث وقعت عوضا من ياء الإضافة ، والدليل على أنها تاء تأنيث قلبها هاء في الوقف » . قلت : وما ذكره من كونها تقلب هاء في الوقف قرأ به ابن كثير وابن عامر والباقون ، وقفوا عليها بالتاء ، كأنهم أجروها مجرى الإلحاق في : بنت وأخت ، وممن نصّ على كونها للتأنيث سيبويه ، فإنه قال : « سألت الخليل عن التاء في « يا أَبَتِ » فقال : هي بمنزلة التاء في : يا خالة وعمة ، يعني : أنها للتأنيث ويدل على كونها للتأنيث أيضا كتبهم إياها هاء ، وقياس من وقف بالتاء أن يكتبها تاء ك « تاء » بنت وأخت » . ثم قال الزمخشري : « فإن قلت : كيف جاز إلحاق تاء التأنيث بالمذكر ؟ قلت : كما جاز نحو قولك : حمامة ذكر ، وشاة ذكر ، ورجل ربعة وغلام يفعة » . قلت : يعني أنها جيء بها لمجرد تأنيث اللفظ ، كما في الألفاظ المستشهد بها ، ثم قال الزمخشري : « فإن قلت : فلم ساغ تعويض تاء التأنيث من ياء الإضافة ؟ قلت : لأن التأنيث والإضافة يتناسبان في أنّ كلّ واحد منها زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره » . قلت : وهذا قياس بعيد لا يعمل به عند الحذاق ، فإنه يسمّى الشبه الطردي ، يعني : أنه شبه في الصورة . وقال الزمخشري : إنه قرىء : « يا أبتّ بالحركات الثلاث » . فأما الفتح والكسر فقد عزيتهما لقارئهما ، وأما الضم فقريب جدا ، وهو يشبه من يبني المنادى المضاف لياء المتكلم على الضم ، كقراءة من قرأ - وسيأتي إن شاء اللّه - قالَ رَبِّ احْكُمْ « 2 » بضم الباء ، ويأتي توجيهها هناك ، ولم قلنا إنه مضاف للياء ، ولم نجعله مفردا من غير إضافة ، فقد تقدم توجيه كسر هذه التاء بما ذكره الزمخشري من كونها هي الكسرة التي قبل التاء زحلقت إلى التاء ، وهذا أحد المذهبين ، والمذهب الآخر أنها كسرة أجنبية ، جيء بها لتدل على الياء المعوض عنها ، ليس بخلاف طائل ، وأما الفتح ففيه أربعة أوجه ، ذكر الفارسي منها وجهين : أحدهما : أنه اجتزأ بالفتحة عن الألف . يعني عن الألف المنقلبة عن الياء ، كما اجتزأ عنها الآخر بقوله : 2760 - فلست براجع ما فات منّي * بلهف ولا بليت ولا لوانّي « 3 » وكما اجتزىء بها عنها في : يا ابن أم ويا ابن عم ، كما تقدم . والثاني : أنه رخّم بحذف الياء ثم أقحمت التاء مفتوحة ، هذا كما قال النابغة : 2761 - كليني لهمّ يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطيء الكواكب « 4 »
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة الأنبياء ، آية : ( 112 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) البيت في ديوانه ( 5 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 2 / 207 ) ، -